الطقس في لبنان

اختر المنطقة التي تريد متابعتها

جارٍ تحميل طقس المناطق…
تعذّر تحميل المناطق الآن. حاول مرة أخرى.
بيانات الطقس: Open‑Meteo
مباشر
أخبار عاجلة
العودة إلى آخر الأخبار

جنبلاط يحرّك المياه الراكدة... وحسابات واشنطن تشعل المواجهة

جنبلاط يحرّك المياه الراكدة... وحسابات واشنطن تشعل المواجهة
لم يكن الهجوم الذي استهدف الزعيم وليد جنبلاط عقب مقابلته الأخيرة مجرد رد فعل على تصريحات أثارت حساسية بعض القوى المسيحية، بل أظهر مدى التقارب بين المواقف الأميركية والخطاب السياسي الذي تتبناه أوساط من اليمين المسيحي اللبناني. فالانتقال السريع من الاعتراض على كلامه إلى حملة سياسية وإعلامية استهدفت شخصه يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذه القوى وواشنطن، ومدى استقلالية مواقفها، خصوصاً عندما يقدّم جنبلاط مقاربة تختلف عن الخيارات التي تراهن عليها هذه القوى في معالجة الأزمة اللبنانية. وشكّلت إشارة جنبلاط إلى بعض اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة وإلى المحافظين الجدد مدخلاً لتوسيع السجال وإضفاء طابع طائفي عليه، فيما كان المضمون السياسي لمقابلته أكثر إزعاجاً لخصومه، حيث تناول الرهان على واشنطن في إدارة الملف اللبناني، وشكّك في قدرتها على فرض انسحاب إسرائيلي، وطرح الحوار مع "حزب الله" بديلاً عن سياسة الضغوط التي قد تدفع البلاد نحو مواجهة داخلية. وبذلك، لم يقتصر كلامه على مناقشة أداء الدبلوماسية الأميركية، بل طاول الخيارات التي تتمسك بها قوى لبنانية بنَت حساباتها السياسية على نجاح هذا المسار. في المقابل، جاء الرد الأميركي على مقابلة جنبلاط ليضيف بُعداً آخر إلى السجال الذي كانت قد بدأته أوساط سياسية لبنانية، بعدما تجاوز الاعتراض على مضمون كلامه إلى التشكيك في دوافعه ومبادئه. وقد أظهر تقارب المواقف بين الطرفين أن الخلاف يتصل أيضاً بالمسارات التفاوضية المطروحة، ولا سيما مسار «إسلام آباد» و«اتفاق الإطار»، وما يرتبط بهما من ترتيب للالتزامات بين لبنان وإسرائيل. فالسؤال الأساسي هو ما إذا كان نزع سلاح "حزب الله" شرطاً مسبقاً للانسحاب الإسرائيلي، أم أن المسألتين يجب أن تُعالجا ضمن تسوية متبادلة. وتكمن صعوبة التوصل إلى اتفاق في أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بمعالجة ملف السلاح يضع لبنان أمام معادلة داخلية شديدة التعقيد، فيما تحتاج التسوية المتبادلة إلى ضمانات سياسية وأمنية يصعب توفيرها في الظروف الحالية. على المستوى الداخلي، ترى مصادر دبلوماسية مطّلعة أن التسرّع في الهجوم الذي شنّته أوساط من اليمين المسيحي اللبناني أظهر بوضوح مدى التماهي بين خطابها السياسي والموقف الأميركي، سواء في رفض مقاربة جنبلاط أو في الأولويات التي تدافع عنها. فالاعتراض لم يقتصر على مناقشة المخاطر المحتملة للحوار مع "حزب الله"، بل اتخذ منحى شخصياً وطائفياً، حوّل النقاش عن القضايا الأساسية التي أثارتها المقابلة. ولعلّ هذا التصعيد يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة السياسية بين هذه القوى وواشنطن، ولا سيما أن بعض الأوساط اللبنانية سارعت إلى مهاجمة جنبلاط قبل صدور الرد الأميركي، في مشهد يعكس تقارباً في المواقف يستحق التوقف عنده، من دون أن يشكّل بحد ذاته دليلاً على وجود تنسيق مسبق. من جهة اخرى تشير المصادر الى أن الحملة كشفت عن تناقض أساسي في مقاربة بعض القوى اللبنانية لملف السلاح. فجنبلاط لم يدعُ إلى استمرار "حزب الله" كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة، بل شدّد على ضرورة حصرية السلاح بيدها، معتبراً أن الوصول إلى هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق بتجاهل المكوّن الشيعي أو دفع البلاد نحو مواجهة أهلية. لكن بعض الردود على مواقفه تعاملت، وفق المصادر، مع اعتراضه على طريقة معالجة الملف وكأنه اعتراض على مبدأ حصرية السلاح نفسه، الامر الذي من شأنه أن يضيّق مساحة النقاش السياسي ويحوّل الاختلاف حول وسائل الوصول إلى هذا الهدف إلى خلاف حول الهدف بحد ذاته. وهنا يبرز السؤال عن مدى استعداد هذه القوى للبحث في حلول تراعي التوازنات الداخلية، بدلاً من حصر النقاش في مسار واحد واعتبار أي مقاربة مختلفة انحيازاً إلى "الحزب". ولا تنفصل هذه الإشكالية عن موقع إسرائيل في المعادلة. فالمسار التفاوضي الذي تدعمه واشنطن يقوم على ربط الانسحاب الإسرائيلي بخطوات لبنانية تتعلق بنزع السلاح وانتشار الجيش، من دون وضوح بشأن الضمانات الفعلية لتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية. وإذا كانت السيادة اللبنانية هي الهدف المعلن، فإن استمرار الاحتلال يطرح مشكلة لا يمكن تجاوزها بمجرد إعادة ترتيب الأولويات الأمنية. وهنا تبرز مسؤولية القوى اللبنانية في الدفاع عن مقاربة تضمن معالجة ملف السلاح والانسحاب الإسرائيلي معاً، بدلاً من التعامل مع المطالب الإسرائيلية باعتبارها أمراً واقعاً ينبغي أن تتكيف معه السياسة اللبنانية. فأي اتفاق لا يعالج هذه المسألة بصورة واضحة سيبقى معرّضاً للتعثّر، سواء بسبب رفض "حزب الله" التخلي عن سلاحه أو بسبب غياب الثقة بجدية الانسحاب الإسرائيلي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دعوة جنبلاط إلى التواصل مع إيران، انطلاقاً من الدور الذي تؤديه طهران في التأثير على قرارات "حزب الله" وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى أي تسوية تتناول مستقبل السلاح في لبنان، حيث أن تجاهل هذا الدور قد يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ. ومن هنا، تتبنى المصادر طرح جنبلاط، إذ تبرز الحاجة من وجهة نظرها إلى مقاربة تستفيد من قدرة طهران على تسهيل التفاهمات، من دون أن يتحول دورها إلى بديل عن التوافق الداخلي أو أن تصبح القرارات المتعلقة بمستقبل لبنان رهينة التفاهمات الإقليمية. ويتجاوز السجال حول مواقف جنبلاط حدود المقابلة نفسها، ليعكس اختلافاً أعمق في قراءة التحولات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان. فهناك قوى لبنانية تراهن على أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية ستؤدي إلى تغيير موقع "حزب الله" داخل المعادلة اللبنانية، فيما يرى جنبلاط أن تبدّل موازين القوى لا يكفي وحده للوصول إلى تسوية مستقرة، وأن تجاهل التوازنات الداخلية قد ينقل المواجهة إلى الداخل اللبناني. ولعلّ الخلاف بين المقاربتين يتجاوز آليات تنفيذ أي اتفاق إلى تحديد الجهة التي ستضع شروط التسوية، وما إذا كانت القرارات الأساسية ستصدر عن تفاهم لبناني أو عن شروط تفاوضية تُحدَّد خارج البلاد. وهنا يُطرح السؤال حول مدى استعداد القوى اللبنانية التي تراهن على الضغوط الخارجية للتعامل مع تداعياتها الداخلية، إذا لم تفضِ إلى النتائج السياسية التي تنتظرها. في المحصلة، لا يمكن اختزال الهجوم على جنبلاط بحساسية بعض الأوساط المسيحية تجاه تصريحاته، فالمسألة تتصل أيضاً بموقع قوى لبنانية داخل المسار السياسي الذي تدعمه واشنطن، وبمدى استعدادها لتقبّل مقاربات مختلفة لمعالجة الأزمة. فالسجال لم يعد محصوراً بمصير سلاح "الحزب"، بل امتد إلى تحديد الجهة التي تملك حق رسم الطريق نحو حصرية السلاح، وكيفية الربط بين الانسحاب الإسرائيلي والتسوية الداخلية. ومن هنا، تتحدد حقيقة موقف القوى التي ترفع شعار السيادة ومدى استعدادها للدفاع عن استقلال القرار اللبناني حتى عندما يتعارض مع الخيارات الخارجية التي تراهن عليها.