لبنان بين التهدئة والتصعيد… إلى أين؟
تاريخ النشر: 2026-07-28 12:00
•
المصدر: RSS3
للمرة الأولى منذ سنوات، لا يبدو مستقبل الجنوب اللبناني مرتبطاً بالقرار الإسرائيلي وحده، بل بات يتأثر بصورة مباشرة بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن أي قرار بتوسيع الحرب في لبنان لم يعد شأناً إسرائيلياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من حسابات إقليمية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المصالح الأميركية مع أولويات الأمن الإسرائيلي والرسائل الإيرانية.
Advertisement
هذا التحول يضع لبنان أمام مرحلة مختلفة. فبعد سنوات كان فيها الجنوب ساحة تُستخدم لتبادل الرسائل العسكرية، أصبح اليوم ورقة سياسية حاضرة على طاولة التفاوض. وكلما اقتربت الولايات المتحدة من منح الدبلوماسية فرصة مع إيران، ازدادت حاجتها إلى منع انفجار الجبهة اللبنانية، لأن أي مواجهة واسعة قد تقود إلى انهيار المسار التفاوضي بأكمله.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المشهد من زاوية مختلفة. فبنيامين نتنياهو لا يخفي اقتناعه بأن الضغط العسكري يجب أن يبقى مستمراً، سواء على إيران أو على حلفائها في المنطقة، باعتبار أن أي تهدئة طويلة تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. إلا أن هذا التوجه لا ينسجم بالكامل مع الحسابات الأميركية، التي باتت أكثر حذراً في إدارة الصراع بعد ارتفاع كلفته العسكرية والسياسية.
وهنا تكمن أهمية لبنان. فإسرائيل قد تمتلك القدرة العسكرية على تنفيذ عمليات داخل الأراضي اللبنانية، لكنها تدرك أن أي حرب واسعة لن تبقى محصورة بالجبهة الجنوبية. كما أن الولايات المتحدة، التي تسعى إلى منع توسع الصراع، لن تنظر إلى أي تصعيد كبير باعتباره حدثاً لبنانياً فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لمسار التفاوض مع إيران وللاستقرار الإقليمي الذي تعمل على تثبيته.
وفي المقابل، تحاول طهران تثبيت معادلة مختلفة، تقوم على أن لبنان ليس ملفاً منفصلاً عن بقية ملفات المنطقة. ولذلك، فإن أي محاولة لإبقاء المفاوضات مع إيران مفتوحة بالتزامن مع منح إسرائيل حرية التصعيد في لبنان، لن تكون مقبولة من وجهة النظر الإيرانية. ومن هنا، يمكن فهم الرسائل السياسية التي ربطت بصورة غير مباشرة بين مستقبل الجنوب اللبناني ومسار الحوار مع واشنطن.
لكن ذلك لا يعني أن لبنان خرج من دائرة الخطر. فغياب الحرب الشاملة لا يساوي بالضرورة استقراراً دائماً. بل قد تدخل الجبهة الجنوبية مرحلة جديدة عنوانها الضغط الأمني المحدود، من خلال الغارات والاغتيالات والعمليات الموضعية، في محاولة للحفاظ على مستوى من الردع من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وهذا السيناريو يبدو الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة. فالأطراف كافة تدرك أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التخلي عن أدوات الضغط التي تمتلكها. لذلك، قد يبقى لبنان يعيش في منطقة رمادية، لا حرب تنهي الصراع، ولا تسوية تنهي أسباب التوتر.
أمام هذا الواقع، تبدو مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة. فالمطلوب اليوم ليس انتظار نتائج المفاوضات الإقليمية، بل العمل على تحصين الموقف اللبناني سياسياً ودبلوماسياً، ومنع تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض تستخدمها القوى الخارجية لتحسين شروطها. فكلما امتلك لبنان موقفاً رسمياً أكثر تماسكاً، تقلصت قدرة الآخرين على التعامل معه باعتباره مجرد ساحة لتبادل الرسائل.
لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان لبنان سيتأثر بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، بل إلى أي مدى سيصبح جزءاً منها. فإذا نجحت هذه المفاوضات، قد ينعكس ذلك تهدئة على الجبهة الجنوبية. أما إذا تعثرت، فقد يجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب الاشتباك، ليس بسبب قرار لبناني، بل لأن موقعه الجغرافي والسياسي يجعله أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية.
لهذا، فإن مستقبل لبنان في الأشهر المقبلة لن تحدده التطورات الميدانية وحدها، بل أيضاً طبيعة التفاهم أو الخلاف بين واشنطن وطهران. وبين هذين المسارين، يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو منع تحويل الجنوب إلى ورقة مساومة، والعمل على تثبيت الاستقرار بوصفه مصلحة لبنانية أولاً، لا مجرد نتيجة لتفاهمات الآخرين.
Advertisement
هذا التحول يضع لبنان أمام مرحلة مختلفة. فبعد سنوات كان فيها الجنوب ساحة تُستخدم لتبادل الرسائل العسكرية، أصبح اليوم ورقة سياسية حاضرة على طاولة التفاوض. وكلما اقتربت الولايات المتحدة من منح الدبلوماسية فرصة مع إيران، ازدادت حاجتها إلى منع انفجار الجبهة اللبنانية، لأن أي مواجهة واسعة قد تقود إلى انهيار المسار التفاوضي بأكمله.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المشهد من زاوية مختلفة. فبنيامين نتنياهو لا يخفي اقتناعه بأن الضغط العسكري يجب أن يبقى مستمراً، سواء على إيران أو على حلفائها في المنطقة، باعتبار أن أي تهدئة طويلة تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. إلا أن هذا التوجه لا ينسجم بالكامل مع الحسابات الأميركية، التي باتت أكثر حذراً في إدارة الصراع بعد ارتفاع كلفته العسكرية والسياسية.
وهنا تكمن أهمية لبنان. فإسرائيل قد تمتلك القدرة العسكرية على تنفيذ عمليات داخل الأراضي اللبنانية، لكنها تدرك أن أي حرب واسعة لن تبقى محصورة بالجبهة الجنوبية. كما أن الولايات المتحدة، التي تسعى إلى منع توسع الصراع، لن تنظر إلى أي تصعيد كبير باعتباره حدثاً لبنانياً فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لمسار التفاوض مع إيران وللاستقرار الإقليمي الذي تعمل على تثبيته.
وفي المقابل، تحاول طهران تثبيت معادلة مختلفة، تقوم على أن لبنان ليس ملفاً منفصلاً عن بقية ملفات المنطقة. ولذلك، فإن أي محاولة لإبقاء المفاوضات مع إيران مفتوحة بالتزامن مع منح إسرائيل حرية التصعيد في لبنان، لن تكون مقبولة من وجهة النظر الإيرانية. ومن هنا، يمكن فهم الرسائل السياسية التي ربطت بصورة غير مباشرة بين مستقبل الجنوب اللبناني ومسار الحوار مع واشنطن.
لكن ذلك لا يعني أن لبنان خرج من دائرة الخطر. فغياب الحرب الشاملة لا يساوي بالضرورة استقراراً دائماً. بل قد تدخل الجبهة الجنوبية مرحلة جديدة عنوانها الضغط الأمني المحدود، من خلال الغارات والاغتيالات والعمليات الموضعية، في محاولة للحفاظ على مستوى من الردع من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وهذا السيناريو يبدو الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة. فالأطراف كافة تدرك أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التخلي عن أدوات الضغط التي تمتلكها. لذلك، قد يبقى لبنان يعيش في منطقة رمادية، لا حرب تنهي الصراع، ولا تسوية تنهي أسباب التوتر.
أمام هذا الواقع، تبدو مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة. فالمطلوب اليوم ليس انتظار نتائج المفاوضات الإقليمية، بل العمل على تحصين الموقف اللبناني سياسياً ودبلوماسياً، ومنع تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض تستخدمها القوى الخارجية لتحسين شروطها. فكلما امتلك لبنان موقفاً رسمياً أكثر تماسكاً، تقلصت قدرة الآخرين على التعامل معه باعتباره مجرد ساحة لتبادل الرسائل.
لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان لبنان سيتأثر بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، بل إلى أي مدى سيصبح جزءاً منها. فإذا نجحت هذه المفاوضات، قد ينعكس ذلك تهدئة على الجبهة الجنوبية. أما إذا تعثرت، فقد يجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب الاشتباك، ليس بسبب قرار لبناني، بل لأن موقعه الجغرافي والسياسي يجعله أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية.
لهذا، فإن مستقبل لبنان في الأشهر المقبلة لن تحدده التطورات الميدانية وحدها، بل أيضاً طبيعة التفاهم أو الخلاف بين واشنطن وطهران. وبين هذين المسارين، يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو منع تحويل الجنوب إلى ورقة مساومة، والعمل على تثبيت الاستقرار بوصفه مصلحة لبنانية أولاً، لا مجرد نتيجة لتفاهمات الآخرين.
